تبخّر السلام البارد.. اليمن في فوهة الحرب الشاملة

دخل الصراع اليمني منعطفاً عسكرياً هو الأخطر والأعنف منذ توقيع الهدنة الأممية في أبريل 2022؛ إذ تحولت جبهات القتال وخطوط التماس العسكرية إلى مسرح لعمليات حربية برية وجوية واسعة النطاق. 

وجاء هذا التطور الميداني المتسارع عقب إعلان الجيش اليمني التابع للحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، السبت 8 أغسطس 2026، عن إطلاق عملية عسكرية واسعة ومضادة استهدفت مواقع وتمركزات وقدرات مليشيات الحوثي على طول خطوط التماس في جبهات متعددة. 

ويمثل هذا التحرك الحكومي رداً مباشراً وحازماً على هجمات حوثية مكثفة بالصواريخ الباليستية والمسيرات، استهدفت بشكل متزامن معسكرات للجيش وأعياناً مدنية ومخيمات للنازحين في محافظتي مأرب وحضرموت. وبحسب مراقبين عسكريين، فإن هذه التطورات تضع البلاد على شفا حرب برية شاملة قد تطيح بجهود السلام الدولي المتعثرة أصلاً.

ليلة الصواريخ

بدأت شرارة التصعيد الأخير بسلسلة هجمات صاروخية وجوية منسقة شنتها مليشيات الحوثي خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين. واستخدمت المليشيات ترسانة ضخمة تضم أكثر من 40 صاروخاً باليستياً وطائرة مسيرة انقضاضية، جرى توجيهها بدقة نحو أربعة معسكرات حيوية تابعة لقوات الطوارئ والجيش الحكومي.

 وتوزعت الضربات على معسكرات صحن الجن والرويك والثنية في مأرب، بالإضافة إلى مقر اللواء 23 مشاة المتمركز في منطقة العبر بمحافظة حضرموت.

وأسفرت هذه الضربات المتزامنة عن خسائر بشرية، في صفوف القوات الحكومية؛ حيث أكدت مصادر طبية وعسكرية متطابقة مقتل ما بين 30 إلى 58 جندياً وضابطاً، وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. ولم تقتصر الاعتداءات الحوثية على الأهداف العسكرية فحسب، بل طالت الصواريخ والمقذوفات مخيمات النازحين والأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين في ضواحي مدينة مأرب، وتحديداً في منطقتي سائلة الميل وجو النسيم. وأدت هذه القذائف إلى مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين، من بينهم نساء وأطفال، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني وقواعد حماية المدنيين أثناء النزاعات والحروب.

قطع الشرايين.. تفاصيل العملية الاستباقية للجيش في الشرق

في المقابل، لم تكن القوات الحكومية في وضع الدفاع الصرف؛ إذ كشفت مصادر قيادية أن الفرقة الأولى طوارئ بالجيش اليمني بدأت منذ يوم الأربعاء الماضي تنفيذ عملية أمنية وعسكرية استباقية واسعة النطاق في المناطق الصحراوية الممتدة بين محافظات مأرب وحضرموت وشبوة والجوف. وحملت العملية طابعاً تكتيكياً يهدف إلى قطع شرايين الإمداد التابعة لمليشيات الحوثي.

ونجحت القوات الحكومية خلال هذه العملية في تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، تضمنت تفكيك طرق التهريب السرية التي تستخدمها المليشيات لنقل الأسلحة والمعدات، ومداهمة واقتحام عدد من المعامل السرية المخصصة لتجهيز المتفجرات والعبوات الناسفة. 

كما أسفرت العملية عن إلقاء القبض على خلايا نائمة تابعة للحوثيين كانت تتولى مهام رصد الإحداثيات وتحديد الأهداف. 

ولضمان إغلاق هذه الثغرات بشكل كامل، دفع الجيش الحكومي بـ 4 ألوية عسكرية كاملة جرى نشرها وتوزيعها في العمق الصحراوي لقطع خطوط إمداد السلاح القادم للمليشيات من مناطق التهريب الشرقية.

 الهجوم المضاد

ومع تسارع الأحداث الميدانية حتى اليوم السبت، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، أن الجيش انتقل من مرحلة الاحتواء والرد الموضعي إلى مرحلة الهجوم المضاد الشامل على طول خطوط التماس العسكرية. 

وأوضح النزيلي، في تصريح صحفي، أن القيادة العسكرية العليا وجهت جميع الوحدات والمحاور بالتعامل بالرد الحازم والرادع مع مصادر التهديد الحوثية، واستهداف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة في عمق مناطق سيطرة المليشيات.

وتزامن هذا الإعلان مع إجراءات احترازية مشددة اتخذتها السلطات الحكومية لتأمين الجبهات الداخلية؛ حيث تم قطع شبكات الاتصالات والإنترنت الأرضي في محافظتي مأرب وحضرموت لعدة ساعات. وجاءت هذه الخطوة كتدبير وقائي عاجل لمنع التجسس الرقمي ومنع الخلايا الحوثية من استخدام الشبكات المحلية في نقل المعلومات أو توجيه الضربات الصاروخية. وبدلاً من ذلك، اعتمدت العمليات العسكرية والإدارية الحكومية بشكل كلي على منظومة البث الفضائي ستارلينك.

كما شملت الإجراءات التنسيق الفوري لإغلاق الأجواء اليمنية مؤقتاً في مناطق المواجهات وتحويل مسار بعض الرحلات الجوية المدنية التابعة للخطوط الجوية اليمنية حفاظاً على سلامة المسافرين.

مجلس الدفاع الوطني يرفع الجاهزية للدرجة القصوى

على الصعيد السياسي والعسكري الأعلى، عكس اجتماع مجلس الدفاع الوطني اليمني حجم الخطورة التي تواجهها البلاد. فقد عقد المجلس اجتماعاً طارئاً واستثنائياً برئاسة الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وبحضور أعضاء المجلس ورئيس الحكومة والقادة العسكريين والأمنيين. وخلال الاجتماع، جرى تدارس التداعيات الكارثية للتصعيد الحوثي على المنشآت الحيوية والمدنيين.

وأصدر مجلس الدفاع الوطني حزمة من القرارات الصارمة، أبرزها رفع الجاهزية العسكرية والأمنية إلى أعلى درجاتها الاستعداد القتالي الأقصى في جميع المحافظات المحررة وجبهات القتال. كما أعلن المجلس بقاءه في حالة انعقاد دائم ومستمر لمتابعة تطورات الميدان وإدارة المعركة العسكرية والأمنية.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار المليشيات في تقويض ركائز الاستقرار وتعميق المعاناة الإنسانية لليمنيين.

الخارجية اليمنية تلوّح بانتهاء خيارات السلام البارد

ولم تنفصل التحركات الميدانية عن الحراك الدبلوماسي المكثف الذي تقوده الحكومة الشرعية لإحاطة المجتمع الدولي بخطورة الموقف. فقد عقدت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة، سلسلة من المباحثات العاجلة والاتصالات الهاتفية، كان أبرزها لقاء مع المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ.

وخلال المباحثات، قدمت الوزيرة الزوبة ملفاً متكاملاً مدعوماً بالإحصاءات والخرائط حول الانتهاكات الحوثية الأخيرة واستهدافها المباشر للمعسكرات والتجمعات السكانية. وطالبت الخارجية اليمنية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم وواضح يتجاوز لغة الإدانات القلقلة، وتحميل المليشيات الحوثية بشكل صريح المسؤولية الكاملة عن تقويض جهود السلام والدفع بالبلاد نحو أتون حرب برية شاملة ستكون تداعياتها كارثية على أمن المنطقة وممراتها المائية.

 ردود الفعل الدولية

واستجابة للتصعيد المتسارع، دخلت القوى الدولية على خط الأزمة عبر مواقف سياسية صارمة؛ حيث أصدر مجلس الأمن بياناً عاجلاً أدان فيه بأشد العبارات موجة التصعيد الحوثية الأخيرة.

وركز بيان مجلس الأمن على إدانة الضربات الصاروخية الحوثية التي استهدفت المنشآت العسكرية والمدنية في اليمن، بالإضافة إلى استمرار الهجمات على سفن الشحن التجاري في البحر الأحمر وخليج عدن.

كما أبدى مجلس الأمن قلقه البالغ إزاء رصد هبوط طائرات غير مصرح بها وغير خاضعة للتفتيش في مطاري صنعاء والحديدة الخاضعين لسيطرة الحوثيين، محذراً من استخدام هذه الرحلات لنقل تكنولوجيا عسكرية متطورة أو خبراء أجانب. 

وجدد أعضاء مجلس الأمن التزامهم الكامل والمطلق بسيادة اليمن واستقلاله ووحدة أراضيه، داعين الحوثيين إلى الوقف الفوري للتصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

سيناريوهات المستقبل

تؤكد المعطيات الرقمية والميدانية الحالية أن المشهد اليمني انزلق بالفعل إلى مرحلة جديدة من الصراع المباشر والمفتوح؛ فالأرقام المسجلة خلال الـ48 ساعة الماضية تشير إلى سقوط نحو 60 قتيلاً من العسكريين والمدنيين، وإصابة العشرات، فضلاً عن تحرك ألوية عسكرية كاملة وبدء هجوم مضاد. هذا الواقع الميداني يفرض اربعة سيناريوهات متوقعة للأيام القليلة القادمة:

السيناريو الأول، الحرب البرية الشاملة؛ أن تتسع رقعة الهجوم الحكومي المضاد بدعم وتنسيق مع حلفائها، لتتحول المواجهات العسكرية إلى معارك كسر عظم تهدف إلى استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية في تعز، ومأرب، والبيضاء، والحديدة لإجبار الحوثيين على التراجع.

السيناريو الثاني احتواء دولي عاجل؛ أن تنجح الضغوط الدولية المكثفة التي يمارسها المبعوث الأممي والأطراف الإقليمية في فرض هدنة مؤقتة جديدة غير معلنة، وإجبار الطرفين على وقف إطلاق النار منعاً لانهيار خطوط الإمداد الإنساني والمنظومة الاقتصادية المتهاوية.

فيما السيناريو الثالث حرب الاستنزاف المفتوحة؛ استمرار الهجمات الصاروخية الحوثية المتبادلة مع ضربات جوية وبرية حكومية، دون إحداث تغيير كبير في خارطة السيطرة والنفوذ الحالية، مما يعمق الأزمة الإنسانية ويحيل اليمن إلى ساحة استنزاف دائم لقدرات الطرفين.

في حين يرى سياسيون وخبراء عسكريون أن القدرات الحربية والعسكرية للجيش الوطني التابع للحكومة الشرعية بكافة تشكيلاته والمدعومة بدول التحالف ممثلة بالمملكة العربية السعودية سيحقق تقدما كبيرا وملموسا على الواقع العسكري والميداني، يرافق ذلك ارتفاع وتيرة السخط الشعبي والقبلي المناهض لمليشيا الانقلاب الحوثي في مناطق سيطرتها.

في المحصلة، يبقى يوم السبت 8 أغسطس 2026 علامة فارقة في تاريخ النزاع اليمني؛ إذ أثبتت التطورات الجارية أن السلام البارد الذي عاشته البلاد منذ أربع سنوات قد تبخر تحت وطأة الصواريخ الباليستية وزئير المدافع على خطوط التماس، لتصبح الكلمة الفصل مجدداً لصندوق الذخيرة وفوهات البنادق.