النزوح كسلاح حرب.. الحوثيون يوسّعون دائرة التهجير القسري ومضاعفة أعباء الأزمة في اليمن وسط صمت دولي
لم تعد موجات النزوح في اليمن مجرد نتيجة جانبية للمعارك، بل تحولت، وفق مصادر حقوقية ومحلية، إلى أداة تستخدمها مليشيا الحوثي الإرهابية لفرض واقع ميداني جديد عبر استهداف المناطق المأهولة بالسكان ومخيمات النازحين القريبة من خطوط التماس، ما يدفع عشرات الأسر يومياً إلى مغادرة منازلها بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.
وتشير شهادات محلية وتقارير حقوقية إلى أن الهجمات التي نفذتها مليشيا الحوثي خلال الساعات الـ48 الماضية بالصواريخ والمسيرات المفخخة والقذائف على القرى والمخيمات السكنية تتزامن في عدد من المناطق مع عمليات اقتحام ومصادرة منازل وتحويلها إلى مواقع عسكرية، في ما تصفه جهات حقوقية بأنه نمط ممنهج من التهجير القسري للسكان.
الحديدة.. تهجير تحت القصف
في محافظة الحديدة، غربي اليمن، دفعت مليشيا الحوثي عشرات الأسر إلى موجة نزوح جديدة من قرى جنوب مدينة الجراحي ومديرية جبل راس، بعد تصعيد عمليات القصف والاستهداف للمناطق السكنية، بالتزامن مع تحويل منازل المواطنين إلى مواقع وثكنات عسكرية.
وأكدت مصادر حقوقية وصول أسر نازحة خلال الأيام الماضية إلى مديرية حيس، بعدما أُجبرت على مغادرة مساكنها تحت ضغط التهديد والاستهداف العسكري، في مؤشر على اتساع نطاق عمليات النزوح القسري في مناطق جنوب المحافظة.
وفي حادثة منفصلة، أُصيب مواطن وزوجته إثر قصف بمسيرة حوثية استهدف منزلاً سكنياً في قرية النفْسة بمديرية حيس.
وقال مصدر محلي، إن الهجوم أدى إلى إصابة المواطن عبدالرحمن أحمد جبلي بشظايا في مناطق متفرقة من جسده، فيما أصيبت زوجته نجوى سالم مزنبح بجروح وشظايا في أنحاء مختلفة.
وأدان مكتب حقوق الإنسان بمحافظة الحديدة ما وصفها بانتهاكات حوثية بحق المدنيين في جنوب مديريتي الجراحي وجبل راس، مؤكداً أن الانتهاكات شملت إجبار عشرات الأسر على النزوح والاستيلاء على منازلهم وتحويلها إلى مواقع عسكرية، في مخالفة للقانون الدولي الإنساني.
وأوضح المكتب أن شهادات السكان تؤكد إجبار أسر بأكملها على مغادرة مناطقها، ووصول بعضها إلى مديرية حيس، محذراً من تداعيات استمرار هذه الممارسات على حياة المدنيين والاستقرار الاجتماعي في المنطقة.
مأرب.. صواريخ الحوثي تستهدف النازحين والسكان
وفي محافظة مأرب، شمال شرقي البلاد، تعرضت مخيمات للنازحين وأحياء سكنية لهجمات صاروخية حوثية، في تصعيد طال مناطق تضم آلاف المدنيين الذين فروا سابقاً من جبهات القتال.
واستهدفت مليشيا الحوثي مخيمات النازحين في منطقتي جو النسيم والميل، إضافة إلى أحياء سكنية بمدينة مأرب، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم نساء وأطفال وكبار سن.
وبحسب مصادر حكومية، أدى القصف إلى مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين، فيما حذرت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في المحافظة من خطورة استهداف أماكن الإيواء، مؤكدة أن هذه الهجمات تهدد حياة آلاف الأسر التي لجأت إلى المخيمات هرباً من الحرب.
ودعت الوحدة المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى اتخاذ إجراءات لحماية المدنيين ومخيمات النزوح من الهجمات المتكررة، محذرة من أن استمرار استهداف مناطق الإيواء سيؤدي إلى موجات نزوح جديدة وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.
الضالع.. قصف يهدد المدنيين
وفي محافظة الضالع، وسط اليمن، واصلت مليشيا الحوثي استهداف المناطق القريبة من خطوط المواجهة، حيث قصفت مسيرة حوثية محيط مدرسة حبيل السلامة وحبيل السوق في منطقة حجر التابعة لمديرية قعطبة.
وأدى الهجوم إلى أضرار مادية في عدد من المنازل المجاورة، فيما أظهرت صور متداولة آثار القصف بالقرب من المدرسة، ما تسبب بحالة هلع بين السكان، خصوصاً الأطفال والأسر القاطنة في المنطقة.
ويقول سكان محليون، إن تكرار هذه الهجمات يدفع العائلات إلى التفكير بمغادرة مناطقها خشية التعرض لهجمات جديدة، في ظل غياب ضمانات الحماية واستمرار التصعيد العسكري.
أزمة نزوح تضغط على الحكومة
وأكدت مصادر اقتصادية لوكالة خبر، أن استمرار استهداف المناطق السكنية ومخيمات النازحين لا يفاقم المعاناة الإنسانية فقط، بل يضاعف الضغوط الاقتصادية على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التي تواجه تحديات كبيرة في توفير أماكن إيواء وخدمات أساسية لموجات النزوح المتلاحقة.
وأوضحت التقارير أن الهجمات الحوثية، إلى جانب الخسائر والأضرار البشرية، ألحقت خسائر كبيرة بالمخيمات وممتلكات النازحين من مواد إيوائية وغذائية هي كل ما يملكون.
وتشير المصادر إلى أن النازحين يحتاجون إلى مساكن مؤقتة، وخدمات صحية وتعليمية، ومساعدات غذائية، في وقت تواجه فيه الحكومة أزمة مالية وتراجعاً في قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
كما تسببت موجات النزوح في انقطاع مئات الأطفال عن التعليم، ودفع بعض الأسر إلى إرسال أطفالها للعمل في الشوارع، إضافة إلى تعرض النساء والفتيات لمخاطر اجتماعية واقتصادية متزايدة بسبب فقدان بيئة السكن الآمنة.
وأكدت مصادر طبية لوكالة خبر، أن آثار النزوح لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث يعاني كثير من النازحين من تبعات طويلة الأمد نتيجة فقدان الاستقرار والتعرض المستمر للخوف والعنف.
تحذيرات أممية من اتساع الأزمة
وتؤكد تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية أن اليمن يواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح الداخلي في العالم، نتيجة سنوات الحرب والتصعيد العسكري وتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
ووفق تقديرات أممية، بلغ عدد النازحين داخلياً في اليمن نحو 4.5 ملايين شخص، فيما تتحمل المحافظات الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً الجزء الأكبر من أعباء الاستضافة، خصوصاً مأرب وتعز وعدن والحديدة.
كما سبق لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن أن وثق في تقاريره انتهاكات بحق المدنيين، بما في ذلك الهجمات التي تطول المناطق السكنية، واستخدام أساليب تؤدي إلى تغيير واقع السكان في مناطق النزاع.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن استمرار غياب إجراءات رادعة بحق مليشيا الحوثي يشجع على تكرار استهداف المدنيين، مؤكدة أن ضعف المساءلة الدولية يمثل عاملاً يساعد على استمرار موجات التهجير.
الملف الإنساني بين الاحتياج والاستغلال
وفي الوقت الذي تتزايد فيه أعداد النازحين، تتهم مصادر حقوقية أطرافاً مختلفة لعل أبرزها المنظمات الأممية ومليشيا الحوثي، باستغلال الملف الإنساني لتحقيق مكاسب سياسية ومالية، محذرة من أن استمرار غياب الرقابة الفاعلة على برامج المساعدات قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين حجم التمويل الدولي والاحتياجات الفعلية للسكان المتضررين.
وأكدت المصادر في حديث لوكالة خبر، أن الأولوية يجب أن تكون لحماية المدنيين ومنع أسباب النزوح قبل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه، مشددة على أن وقف استهداف المناطق المأهولة ومخيمات النازحين يمثل الخطوة الأولى لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن.
وبينما تستمر المواجهات على جبهات عدة، يبقى المدنيون في مقدمة المتضررين، حيث تتحول منازلهم ومخيماتهم إلى ساحات للصراع، فيما تتسع دائرة النزوح وتتزايد كلفة الحرب الإنسانية والاقتصادية على البلاد.