المؤتمر الشعبي العام.. هندسة الدولة وصناعة المجد

لم يكن الرابع والعشرون من أغسطس 1982م مجرد قيد زمني عابر في تأريخ الأحداث السياسية اليمنية، بل كان تجلياً استثنائياً لعبقرية الزمان والمكان، وإعلاناً صريحاً لميلاد العقد الاجتماعي الأبقى والأكثر نضجاً في تاريخ اليمن المعاصر، حيث لم يولد في ذلك اليوم تنظيم سياسي تقليدي بمفهوم الأطر الحزبية الضيقة، وإنما وُلدت الفكرة الحصيفة والمقاربة الوطنية الشاملة التي نقلت اليمن من دوامات الاقتتال العبثي وهشاشة المؤسسات إلى بر الأمان واستقرار الدولة المدنية الحديثة، في تجربة رائدة ومحورية صاغ معالمها بفطرة سياسية نادرة وحنكة قومية ملهمة الزعيم علي عبدالله صالح. 

لقد تسلم الرئيس صالح مقاليد الحكم والبلاد ترزح تحت وطأة إرث ثقيل من الصراعات الدموية، والتشظي الفكري، ومشاريع الارتهان للخارج التي كادت تعصف بكيان الوطن، ومن وسط هذا الركام المتلاطم، انبثقت بصيرته الثاقبة لتدرك أن بناء الدولة الحقيقية لا يمكن أن يقوم على أنقاض الإقصاء أو فرض أيديولوجيات مستوردة لا تشبه طينة الأرض اليمنية ولا تلبي تطلعات إنسانها، فكانت الدعوة التاريخية لصياغة الميثاق الوطني، تلك الوثيقة الفكرية والسياسية الأرقى التي لم تُكتب في الغرف المغلقة أو تُملى من وراء الحدود، بل صِيغت بمداد الاستفتاء الشعبي الشامل وبمشاركة جماعية حية صهرت كل التيارات الفكرية والقبلية والسياسية في بوتقة الهوية الوطنية الجامعة، ليتحول المؤتمر الشعبي العام إلى مظلة يمنية خالصة تتسع للجميع وتحول الخصوم إلى شركاء حقيقيين في معركة البناء والتنمية. 

ومن هذا المنطلق الفكري الصلب، تجلت عبقرية الزعيم كمهندس حقيقي للاستقرار والنهضة، إذ لم تكن الدولة في مفهومه مجرد أجهزة أمنية جامدة أو أدوات للجباية، بل تجسدت في ركائز حيوية غيرت وجه الجغرافيا والتاريخ، اليمني.

ولم تكن كل الإنجازات التي تحققت لليمن واليمنيين منذ المولد الوطني للمؤتمر، سوى التوطئة الطبيعية والتمهيد الحكيم ليتوج المؤتمر الشعبي العام وقائده هذه المسيرة بالمنجز الاستراتيجي الأعظم المتمثل في إعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة في الثاني والعشرين من مايو 1990م، والتي جسدت ذروة العطاء القومي ومثلت الكيان القانوني والسياسي المنيع لليمن الحديث. 

إن ما يمنح تجربة المؤتمر الشعبي العام ديمومتها وعمقها في الوجدان اليمني هو ذلك الالتزام الصارم بقيم الوسطية والاعتدال والابتعاد الكامل عن الراديكاليات المدمجة بالتطرف يميناً أو يساراً، مما جعله يعبر بصدق عن تيار الأغلبية الساحقة وصوت العقل والتعايش السلمي، وحتى في أحلك المنعطفات السياسية، ظلت حكمة الزعيم الشهيد تتجلى في تقديم التنازلات السياسية الكبرى من أجل حقن دماء اليمنيين والحفاظ على مؤسسات الدولة من الانهيار، مرسخاً في وعي الأجيال قاعدة ذهبية مفادها أن السلطة تذهب واليمن هو الباقي، وهي المسيرة الحافلة التي اختتمها الزعيم بأعظم صور التضحية والفداء حين قدم دماءه الطاهرة ثمناً للوفاء بالمبادئ التي عاش من أجلها، واختار الشهادة شامخاً على تراب وطنه دون مساومة على ثوابت الجمهورية والميثاق الوطني. 

واليوم، ونحن نستقرئ هذا الإرث العظيم في ظل الظروف الراهنة، فإننا لا نقف عند حدود البكاء على الأطلال أو تمجيد الماضي، بل نقرأ في هذه التجربة الحصيفة خارطة الطريق الوحيدة والآمنة لإنقاذ اليمن، إذ إن استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها الدستورية، وإنهاء حقب الميليشيات والصراعات، لن يتأتى إلا بالعودة إلى ذات الينابيع الفكرية والسياسية التي نهل منها المؤتمر، عبر إحياء الحوار الوطني الخالص والتمسك بالوسطية والتلاحم حول راية الجمهورية والوحدة، ليظل المؤتمر الشعبي العام بإرثه العريق ورجالاته الأوفياء الركيزة الأساسية والعمود الفقري الذي لا يمكن تجاوزه في أي مشروع حقيقي لإعادة إعمار الإنسان والأرض، مستلهمين من روح القائد الخالد أن اليمن كالفينيق، قادر دائماً على النهوض من وسط الرماد ليصنع مجده ومستقبله ببنادق حماته وسواعد بناته وأبنائه الأبرار.